محمد بن محمد ابو شهبة

157

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

لهو الذي سقاك زمزم ، فارجع إلى سقايتك راشدا ، فرجع ورجعوا معه ، ولم يصلوا إلى الكاهنة ، وخلّوا بينه وبينها . وفي رواية أخرى أن عبد المطلب لما رأى رؤياه غدا ومعه ابنه الحارث إلى حيث وصف له مكانها ، فوجد قرية النمل ، ووجد الغراب الأعصم ينقر عندها بين الوثنين : إساف ، ونائلة ، فجاء بالمعول وقام ليحفر حيث أمر ، فقامت إليه قريش ، وقالوا : واللّه لا نتركك تحفر بين وثنينا هذين اللذين ننحر عندهما ، فقال عبد المطلب لابنه : ذد عنّي حتى أحفر ، فو اللّه لأمضين لما أمرت ، فلما عرفوا أنّه جادّ خلّوا بينه وبين الحفر ، فلم يحفر إلا يسيرا حتى بدا له الطي فكبر ، وعرف أنه صدق . فلما تمادى به الحفر وجد غزالين من ذهب ، ووجد الأسياف والأدرع ، فقالت له قريش : لنا معك في هذا شرك . فقال : لا ، ولكن هلمّ إلى أمر نصف بيني وبينكم ، نضرب عليها القداح « 1 » ، قالوا : وكيف تصنع ؟ قال : أجعل للكعبة قدحين ، ولي قدحين ، ولكم قدحين ، فمن خرج له قدحاه على شيء كان له ، ومن تخلّف قدحاه فلا شيء له ، قالوا : أنصفت ، فجعل قدحين أصفرين للكعبة ، وقدحين أسودين لعبد المطلب ، وقدحين أبيضين لقريش ، ثم أعطوا القداح لسادن هبل ، وقام عبد المطلب يدعو اللّه عز وجل ، فضرب صاحب القداح ، فخرج الأصفران على الغزالين للكعبة ، وخرج الأسودان على الأسياف والأدرع لعبد المطلب ، وتخلّف قدحا قريش ، فضرب عبد المطلب الأسياف بابا للكعبة ، وضرب الغزالين حلية للباب ، فكان أول ذهب حليت به الكعبة ، ثم أقام عبد المطلب سقايتها للحاج ، فكانت له عزا وفخرا على قريش ، وعلى سائر العرب ، وقد ذكر عنه أنه قال : إني لا أحلها لمغتسل ، وهي لشارب حل وبل « 2 » .

--> ( 1 ) جمع قدح بكسر القاف وهو السهم من الخشب الذي كانوا يستقسمون به . ( 2 ) في القاموس : والبل - بالكسر - الشفاء والمباح ، ويقال : حل وبل ، وهو اتباع يعني بمعنى حل .